Bahrain Telegraph - وثائقي لويزة إيغيل أحريز يحول جرحاً شخصياً إلى ملف للذاكرة الجزائرية

وثائقي لويزة إيغيل أحريز يحول جرحاً شخصياً إلى ملف للذاكرة الجزائرية
وثائقي لويزة إيغيل أحريز يحول جرحاً شخصياً إلى ملف للذاكرة الجزائرية

وثائقي لويزة إيغيل أحريز يحول جرحاً شخصياً إلى ملف للذاكرة الجزائرية

استعاد فيلم وثائقي عُرض في تيبازة مسيرة المناضلة الجزائرية لويزة إيغيل أحريز، وكشف كيف تحول صمتها الطويل عن التعذيب والاغتصاب إلى معركة قضائية وذاكرة عامة.

Tamaño del texto:

عرضت قاعة الفنون في مدينة تيبازة، غرب الجزائر العاصمة، مساء السبت، الفيلم الوثائقي «لويزة، مذكراتي الأخيرة»، الذي يتناول مسيرة المناضلة لويزة إيغيل أحريز وما تعرضت له من تعذيب واغتصاب على أيدي عسكريين فرنسيين خلال حرب التحرير الجزائرية.

جاء العرض في الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954. وعلى مدى 54 دقيقة، يتتبع الفيلم انتقال تجربة إيغيل أحريز من سر شخصي أخفته لعقود بسبب القيود الاجتماعية إلى قضية سياسية وقضائية أثارت نقاشاً واسعاً في فرنسا حول ممارسات الجيش الاستعماري.

في عام 2000، كسرت المناضلة الجزائرية صمتها في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، وكشفت تعرضها للاغتصاب خلال الاعتقال. وفي العام نفسه انتقلت إلى القضاء، فرفعت دعوى ضد عدد من الجنرالات الفرنسيين، من بينهم بول أوساريس، واتهمتهم بالمسؤولية عن التعذيب والاعتداءات التي تعرضت لها. وأعادت القضية ملفات العنف الجنسي والتعذيب خلال حرب الجزائر إلى المجال العام الفرنسي.

توضح إيغيل أحريز في الفيلم أنها لم تستطع الحديث عن التجربة في حياة والديها، بسبب النظرة الاجتماعية إلى المرأة التي تتعرض للاغتصاب. وتروي أنها دخلت مستشفى للأمراض العقلية وخضعت للعلاج بالصدمات الكهربائية في محاولة للتخفيف من معاناتها النفسية، وأنها لم تستطع النوم من دون أدوية طوال 65 عاماً.

قالت إن كشف الحقيقة منحها قدراً من الراحة، وإن هدفها من محاكمة الجنرالات لم يكن تحصيل حق شخصي فقط، بل إدانة التعذيب الذي مارسه الجيش الفرنسي ودفع المجتمع الفرنسي إلى الاعتراف به. ورأت أن معركتها كشفت ما فعله ضباط الجيش الفرنسي في الجزائر.

يضم الوثائقي شهادات باحثين ومؤرخين. واعتبر رئيس جمعية الثامن من مايو/أيار 1945 محمد القورصو أن إعلان جريمة الاغتصاب أحدث تحولاً عميقاً، لأنه كشف استخدام العنف الجنسي وسيلة للقهر النفسي والمعنوي ضد المناضلات الجزائريات. كما رأى المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا أن دعوى إيغيل أحريز ضد أوساريس شكلت خطوة مهمة في كسر الصمت عن جرائم بقيت خارج النقاش العام، الذي ركز طويلاً على أساليب التعذيب التقليدية.

قال منتج الفيلم ومخرجه محمد والي إن إيغيل أحريز ترددت بداية في قبول تصوير العمل، خشية التداعيات الاجتماعية لكشف التفاصيل، وبعدما رأت أن المواجهة القضائية حققت جانباً من غايتها. لكنها اقتنعت لاحقاً بأن توثيق قصتها يحفظ جزءاً من الذاكرة الوطنية وينقل الشهادة إلى الأجيال الجديدة.

أوضح والي أن لويزة أصيبت بأربع رصاصات خلال اشتباك مع القوات الفرنسية قبل اعتقالها في 28 سبتمبر/أيلول 1957، وأن الرصاصات أزيلت من جسدها. ووصف الفيلم بأنه «الرصاصة الخامسة» التي كان عليها أن تستخرجها بنفسها عبر مواجهة الذاكرة واستعادة ما جرى لها.

واجه إنتاج الوثائقي صعوبات بسبب حساسية القصة وقسوة استعادة تفاصيلها. وقال والي إن العمل يهدف إلى توثيق الأساليب التي استخدمها الاستعمار الفرنسي في قمع الجزائريين والجزائريات، وإظهار التناقض بين تلك الممارسات والقيم التي أعلنت فرنسا الدفاع عنها، وفي مقدمتها حقوق الإنسان وحقوق المرأة. ولخص رسالته بأن الاستقلال تحقق، لكن التحرر من الألم لم يكتمل.

بدأت إيغيل أحريز نشاطها في الثورة عون اتصال في التنظيم السري لجبهة التحرير الوطني، ونقلت الأسلحة والوثائق. واعتقلتها القوات الفرنسية في سبتمبر 1957 بعد إصابتها بالرصاص، ثم تعرضت للتعذيب والاغتصاب. ونُقلت لاحقاً إلى سجون في فرنسا وكورسيكا، قبل أن تفر في فبراير/شباط 1962 بمساعدة فرنسيين متعاطفين مع القضية الجزائرية.

لم تكن الدعوى القضائية موجهة إلى تجربة فردية بمعزل عن سياقها، بل وضعت المؤسسة العسكرية الفرنسية أمام أسئلة عن مسؤوليتها خلال حرب التحرير. وساهم ظهور الشهادة في عام 2000 في نقل قضية العنف الجنسي من نطاق المسكوت عنه إلى النقاش التاريخي والقانوني.

يربط الفيلم بين أثر الاعتقال في حياة إيغيل أحريز وبين إصرارها على الاستمرار في المواجهة بعد الاستقلال. فالمعاناة النفسية والأدوية والعلاج لم تمنعها من تحويل شهادتها إلى وسيلة لملاحقة المسؤولين، كما لم تجعلها تحصر القضية في طلب تعويض شخصي.

أظهر العرض في تيبازة تأثر الحضور بالشهادة وبقدرة صاحبتها على استعادة تفاصيل ظلت مرتبطة بالألم والخوف الاجتماعي. واستقبل الجمهور العمل بوصفه توثيقاً لتجربة امرأة شاركت في الثورة ثم واجهت، بعد عقود، معركة مختلفة لإعلان ما جرى في المعتقلات.

اختار والي الاعتماد على شهادة إيغيل أحريز إلى جانب الباحثين والمؤرخين، حتى يجمع الفيلم بين السيرة الشخصية والسياق التاريخي. وبذلك لا يقتصر العمل على سرد لحظة الاعتقال، بل يتابع أثرها الطويل والمعركة القضائية اللاحقة ودور الشهادة في مناقشة الذاكرة الاستعمارية.

عادت المناضلة إلى الجزائر بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين جبهة التحرير الوطني والسلطات الفرنسية في 19 مارس/آذار 1962. ويستعد محمد والي لتوزيع الفيلم في دول عدة، بينها الولايات المتحدة وكندا وتونس ومصر، للتعريف بنضال الجزائريين وبالانتهاكات التي ارتكبها الاستعمار، بما فيها العنف الجنسي ضد المناضلات.

X.al-Zamel--BT