هجوم أوكراني واسع بالمسيّرات تزامن مع وجود عشرات القادة الأفارقة في موسكو
تحولت القمةُ الروسية - الأفريقية الثالثة التي تستضيفها موسكو مناسبةً لتأكيد عزم موسكو على تعزيز التعاون مع «الحلفاء الطبيعيين» وفق تعبير الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أكد على مواصلة بناء علاقات تحالف في مواجهة «الاستعمار الجديد»، وبناء عالم أكبر عدلاً ومتعدد الأقطاب. ومع التركيز على العلاقات المتطورة لروسيا مع بلدان القارة، وعزم موسكو نقل بعض صناعاتها إلى بلدان المنطقة، وتطوير التعاون الاقتصادي التجاري، حمل بيان الرئيس ا
تحولت القمةُ الروسية - الأفريقية الثالثة التي تستضيفها موسكو مناسبةً لتأكيد عزم موسكو على تعزيز التعاون مع «الحلفاء الطبيعيين» وفق تعبير الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أكد على مواصلة بناء علاقات تحالف في مواجهة «الاستعمار الجديد»، وبناء عالم أكبر عدلاً ومتعدد الأقطاب. ومع التركيز على العلاقات المتطورة لروسيا مع بلدان القارة، وعزم موسكو نقل بعض صناعاتها إلى بلدان المنطقة، وتطوير التعاون الاقتصادي التجاري، حمل بيان الرئيس الروسي، لدى افتتاح أعمال القمة، إشارات إلى انفتاح موسكو على تسوية النزاع في أوكرانيا بما يحفظ المصالح الأساسية لموسكو.
لكن ملف الصراع المحتدم مع أوكرانيا لم يكن حاضراً فقط في الخطاب الرئاسي واللقاءات الثنائية التي أجراها بوتين مع القادة الزائرين؛ إذ طغت أجواء الحرب الدائرة على أعمال القمة بشكل مباشر بعد تعرض موسكو لهجوم بمسيّرات وُصف بأنه الأوسع منذ مدة طويلة. بدروه، دعا الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الخميس، الولايات المتحدة وأوروبا إلى التحرك عقب الهجوم الروسي على محطة دنيبرو شرق البلاد، واصفاً الهجوم بـ«المروع».
وقال مسؤولون إن طائرة مسيّرة روسية تعمل بمحرك نفاث استهدفت الخميس قطارَين كانا متوقفين في محطة وسط أوكرانيا؛ ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة 10 آخرين. وقال زيلينسكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «هاجم الروس الرصيف؛ حيث كان قطارٌ للضواحي وآخرُ مخصصٌ للركاب متوقفَين.
للأسف، بلغ عدد الضحايا حتى اللحظة 13 شخصاً»، مشدداً على «ضرورة أن تتخذ أميركا وأوروبا خطوات عادلة وحاسمة في مواجهة التصعيد الروسي». وأرفق الرئيس الأوكراني مع منشوره صوراً نشرتها أجهزة الطوارئ تَظهر فيها جثث منتشرة على الرصيف وحفرة كبيرة في الأرض بالقرب من قطار محترق.
وعقب الضربة، كرر الرئيس الأوكراني انتقاداته الحادة للاتفاق الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، والذي قضى باستئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات الأميركية عن موسكو. ودعا زيلينسكي «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة و«مجموعة السبع» إلى فرض «عقوبات أشد» على روسيا.
واستهل بوتين حديثه في الجلسة الافتتاحية العامة للقمة بإشارات إلى عمق العلاقات التاريخية مع بلدان القارة، وإلى الإسهام الذي قدمه الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا من بعده في تخلص القارة من الاستعمار الأجنبي المباشر. مع التركيز على أن روسيا «تواصل تقديم إسهامات في مواجهة التحديات الجديدة، وبينها الاستعمار الحديث والمشكلات الاقتصادية والمعيشية المتراكمة».
ووصف بوتين بلدان القارة بأنهم «حلفاء طبيعيون» لبلاده «في ظل الوضع المعقد الذي تشهده العلاقات الدولية حالياً»، مؤكداً على سعي مشترك «لبناء عالم متعدد الأقطاب وأكبر عدلاً». وأكد بوتين أن التعاون بين روسيا ودول القارة يكتسب زخماً متسارعاً، معلناً عن رغبة بلاده في نقل بعض قطاعات الصناعة والإنتاج إلى الشركاء في القارة الأفريقية.
ولفت إلى أن هذا «يصب تماماً في مصلحة روسيا، لا سيما في ظل الظروف الراهنة، حيث تُفرض عقوبات كثيرة على الاقتصاد والشركات الروسية». ووفق قوله، فقد بلغت حصة الروبل في المعاملات التجارية بين روسيا وبلدان القارة 85 في المائة، وتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 27 مليار دولار العام الماضي.
وأضاف: «ارتفع هذا الرقم بنسبة 50 في المائة منذ قمتنا السابقة. إن الديناميكية إيجابيةٌ، لكن الإمكانات الحقيقية لتعاوننا أكبر بكثير؛ دون شك».
وبيّن أن الشركات الروسية «تُمارس أعمالها في القارة الأفريقية على قدم المساواة، فلا تستخرج الموارد، بل تُنفَّذ مشروعات استثمارية ضخمة. كما تُسهم موسكو إسهاماً كبيراً في الأمن الغذائي؛ بوصفها مورداً موثوقاً للأغذية والمنتجات الزراعية».
وبلغت واردات روسيا من الأسمدة المعدنية العام الماضي نحو 1.5 مليون طن، وتجاوزت هذا العام 2.2 مليون طن. سياسياً؛ أشار الرئيس الروسي إلى تنامي دور الدول الأفريقية في العالم؛ و«لذلك تُصر روسيا على تمثيلها بشكل أكبر عدلاً في مجلس الأمن الدولي».
وشدد على أن بلاده بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي «تُسهم إسهاماً كبيراً في حل النزاعات القائمة ومنع نشوب نزاعات جديدة في القارة الأفريقية». وتحرص موسكو، وفق الرئيس بوتين، على أن «تدافع الدول الأفريقية عن سيادتها، وأن تنمو بثقة، وأن تعزز اقتصاداتها ومجتمعاتها».
وتطرق في هذا الشأن إلى أبعاد التعاون الثقافي المجتمعي، لافتاً إلى إنشاء «فروع لجامعات روسية رائدة ومراكز تعليم مفتوح هناك؛ لتعزيز اللغة والثقافة الروسية. والمساعدة في تطبيق خدمات رقمية متطورة»، مُبدياً استعداد موسكو لمشاركة خبراتها في مجال الطاقة مع بلدان المنطقة.
يشارك في الجلسة العامة الأولى فضلاً عن بوتين كلٌ من: رئيسُ بوروندي رئيسُ «الاتحاد الأفريقي» الحالي، إيفاريست ندايشيميي، ورئيسُ «مفوضية الاتحاد الأفريقي»، محمود علي يوسف، ونحو 20 من قادة الدول والحكومات في القارة. في الملف الأوكراني، أكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على التعاون مع الأطراف المختلفة للتوصل إلى تسوية سياسية تحفظ مصالح روسيا وبلدان المنطقة، من دون أن يدخل في تفاصيل أوسع بشأن الجهود الجارية حالياً لعقد لقاء روسي - أميركي - أوكراني قريباً.
لكن بوتين تعمد التوقف عند الوضع الإنساني في بلدة أوليشكي حيث تستمر حالياً هدنة إنسانية هشة رعتها الولايات المتحدة. وقال إن «تصرفات كييف أدت إلى الوضع الصعب في المدينة.
فقد زرعت القوات المسلحة الأوكرانية ألغاماً على مداخل المدينة، مما خلق كارثة إنسانية حقيقية». وأضاف: «من المقرر تنفيذ عملية اليوم أو غداً، بدعم من السيدة الأولى للولايات المتحدة (ميلانيا ترمب)، لتقديم المساعدة تحديداً للسكان المدنيين».
لكن حضور النزاع في القمة لم يقتصر على عبارات الرئيس الروسي؛ إذ تعرضت موسكو ومدن أخرى، خلال وجود القادة الأفارقة، إلى هجوم واسع بالمسيّرات وُصف بأنه «الأضخم منذ أشهر طويلة». وأعرب المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، عن «استغرابه» محاولةَ كييف استهداف موسكو بطائرات مسيّرة خلال القمة الروسية - الأفريقية.
وقال لوكالة أنباء «فيستي»: «هذا أمرٌ غريبٌ للغاية، فهذا حدثٌ عالميٌّ يُعقد في العاصمة. من الغريب تنظيم هجومٍ بهذا الحجم بطائرات مسيّرة في هذا التوقيت».
ووفق البيانات العسكرية، فقد شنّت القوات المسلحة الأوكرانية في ليلة الأربعاء - الخميس، إحدى كبرى الغارات على المدينة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. ومنذ مساء الأربعاء حتى صباح الخميس، حلّقت 613 طائرة مسيّرة باتجاه منطقة موسكو.
وقد تمكن الجيش، وفق بيان عسكري، من تحييد معظمها في ضواحي المدينة، و231 طائرة أخرى خلال اقترابها. وأفادت وكالة أنباء «نوفوستي»، استناداً إلى بيانات وزارة الدفاع الروسية، بأن الهجوم الليلي الذي شنته طائرات مسيّرة أوكرانية على روسيا عموماً كان الأكبر على الإطلاق.
وفي المجمل؛ دمرت قوات الدفاع الجوي 1214 طائرة مسيّرة أوكرانية. وكان الرقم القياسي السابق لعدد الطائرات المسيّرة التي أُسقطت مسجَّلاً في هجوم ليلة 20 سبتمبر (أيلول) الماضي عندما أُسقطت 1110 طائرات مسيرة.
في السياق، حذر أنطون كوبياكوف، مستشار الرئيس الروسي، بأن الغرب يستخدم الصراع بشأن أوكرانيا لـ«تعزيز سياساته الاستعمارية في القارة الأفريقية». وقال إن «موسكو بمساعدتها الدول الأفريقية على مقاومة الاستعمار الغربي الجديد، تعمل في الواقع على تلبية أهداف مشتركة لدى الطرفين».
وقال المستشار الرئاسي خلال القمة: «في ستينات القرن الماضي، دعم الاتحاد السوفياتي الأفارقة في نضالهم ضد الاستعمار الغربي. واليوم، تواصل روسيا هذا المسعى العظيم، وتساعد الدول الأفريقية على مقاومة الاستعمار الغربي الجديد بحزم».
وأضاف: «التنافس الجديد على أفريقيا قد بلغ ذروته. فمع وصول الإدارة الجديدة، غيّرت الولايات المتحدة نهجها جذرياً؛ إذ قلصت فجأة البرامج التي ترعاها وزارة الخارجية، مثل (الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)، بينما زادت بشكل حاد من أنشطة الشركات العسكرية الخاصة.
وبدوره؛ النموذج الصيني يواصل ضخ الاستثمارات في القارة بهدف تصدير المواد الخام فقط». ووفق كوبياكوف، فإن «التعاون العسكري التقني كان دائماً ولا يزال عنصراً أساسياً في تفاعلنا.
منذ الحقبة السوفياتية، وأنتم على دراية بالتزامنا الدولي. وقد أنشأت وزارة الدفاع الروسية فيلقاً أفريقياً تديره حالياً.
ولدى 30 دولة أفريقية اتفاقيات مع روسيا بشأن التعاون العسكري والعسكري التقني». وأردف: «شهدت السنوات القليلة الماضية تصاعداً حاداً في نشاط المسلحين الأوكرانيين بأفريقيا، لا سيما خلال العملية العسكرية الروسية.
كما تُستغل أوكرانيا من قبل الغرب في أفريقيا لأغراض استعمارية. واليوم، يوجد مدربون ومرتزقة أوكرانيون في جميع الجماعات الإرهابية النشطة تقريباً بالدول الأفريقية».
وفي تعليق على اتهامات غربية بأن روسيا تنشر قوات «مرتزقة» في بعض بلدان القارة، أشار السياسي الروسي إلى أن بلاده، بالتعاون مع شركائها الأفارقة، «تشارك في ضمان الأمن بالقارة، والتعاون العسكري التقني بين الدول الأفريقية وروسيا يسهم أيضاً في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك إرهاب نظام كييف، الذي ينفذ أهدافاً غربية». من جانب آخر، قال بوتين إن الملياردير الأميركي إيلون ماسك، الذي وضع آلاف الأقمار الاصطناعية في مدار الأرض «عبقري فعلاً»، في حين تسعى موسكو إلى تطوير شبكتها الخاصة للإنترنت العاملة بالأقمار الاصطناعية.
وصرّح بوتين خلال زيارته معرضاً على هامش «قمّة روسيا - أفريقيا» في موسكو أن «إيلون ماسك عبقري. وتساءل: «كم وحدة له في المدار؟
أكثر من 5 آلاف، ونحن لا نزال في خطواتنا الأولى». وأضاف: «نحن على تواصل وثيق مع شركائنا الأميركيين، بمن فيهم السيّد ماسك؛ لأنه من الضروري في المدار ألا يتداخل بعضنا مع بعض».
وتأتي تصريحات بوتين على خلفية خلاف متنامٍ بين أوكرانيا والولايات المتحدة بشأن النفاذ إلى شبكة «ستارشيلد» للاتصالات العسكرية الاستخدام التي تديرها «سبيس إكس» المملوكة لماسك. على صعيد آخر، أعربت موسكو عن استغرابها ردودَ الفعل السلبية في عواصم «الاتحاد الأوروبي» على محادثات هاتفية أجراها بوتين مع زعيمَي النرويج وفنلندا أخيراً.
وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي: «كنا نعتقد أن هذه المحادثة نُسِّقت، على الأقل، مع الترويكا الأوروبية الرئيسية». وكان بوتين أشار خلال هذه المحادثات الهاتفية إلى أن التوصل إلى اتفاق طويل الأمد «لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مراعاة مصالح موسكو المشروعة بشكل كامل».
كما لفت الانتباه إلى «السياسات التصادمية التي تنتهجها دول (الاتحاد الأوروبي) و(حلف شمال الأطلسي - ناتو)، والتي تؤدي إلى إطالة أمد الأعمال العدائية». وفي وقت لاحق، اشتكت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، بأن المفاوضين الأوروبيين لم ينسقوا هذه المناقشات مع دول أخرى في المنطقة.
وقال أوشاكوف إن بوتين «لا يرفض التواصل مع الأوروبيين». وبيّن أن الجانبين توصلا خلال المحادثات الهاتفية إلى تفاهم يقضي بأن يرد بوتين دائماً على اتصالات الزعيمَين إذا رغبا في التواصل معه، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي مستعد أيضاً لإجراء محادثات مع ممثلين آخرين للدول الأوروبية.
A.al-Khalifa--BT