ملاعب وأندية غزة تتحول إلى مراكز لإيواء العائلات النازحة
وفي مدينة غزة، التي دمر أجزاء كبيرة منها، وكذلك احتلال مناطق عديدة من شرق المدينة وشمالها، فتحت الأندية الرياضية أبوابها وملاعبها أمام العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها، في ظل الاكتظاظ الشديد الذي تشهده الأراضي والطرقات ومراكز الإيواء، وغياب المساحات الكافية لاستيعاب المزيد من النازحين. واستقبلت مقرات الأندية العائلات، بينما تحولت الملاعب إلى مساحات لنصب الخيام، وأصبحت الغرف والمرافق التابعة لها أماكن للسكن، بعدما كانت مخ
وفي مدينة غزة، التي دمر أجزاء كبيرة منها، وكذلك احتلال مناطق عديدة من شرق المدينة وشمالها، فتحت الأندية الرياضية أبوابها وملاعبها أمام العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها، في ظل الاكتظاظ الشديد الذي تشهده الأراضي والطرقات ومراكز الإيواء، وغياب المساحات الكافية لاستيعاب المزيد من النازحين. واستقبلت مقرات الأندية العائلات، بينما تحولت الملاعب إلى مساحات لنصب الخيام، وأصبحت الغرف والمرافق التابعة لها أماكن للسكن، بعدما كانت مخصصة لاستقبال اللاعبين وإقامة التدريبات والمباريات والأنشطة الرياضية المختلفة.
ولم تسلم الملاعب التابعة للمدارس الكروية والأكاديميات الرياضية، وحتى الملاعب التجارية، من تداعيات موجات النزوح المتلاحقة، إذ امتلأت مساحاتها بالخيام، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، بعدما فقدت العائلات خيارات الإيواء، واضطرت إلى البحث عن أي مساحة متاحة تقيها قسوة الظروف. وفي هذا السياق، أكد زكي بارود، رئيس نادي الصداقة الرياشي، أن إدارة النادي لم تتردد في فتح مقرها أمام العائلات النازحة، انطلاقا من مسؤوليتها الوطنية والاجتماعية تجاه أبناء الشعب الفلسطيني، الذين يواجهون ظروفا إنسانية بالغة الصعوبة.
وقال بارود لـ"فلسطين"، إنه لم يتردد للحظة واحدة في فتح مقر النادي أمام العائلات النازحة، معتبرا ذلك واجبا وطنيا وأخلاقيا على أسرة النادي، للوقوف فضلاً عن الشعب الفلسطيني الذي يضحي ويقاوم، ويتعرض لأبشع أشكال الاضطهاد والمعاناة. وأوضح أن النادي جسّد بذلك مفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي يحمله شعاره «ثقافي، رياضي، اجتماعي»، مؤكدا أن دور المؤسسات الرياضية لا يقتصر على ممارسة الأنشطة الرياضية وتنظيم البطولات، بل يمتد ليتضمن الوقوف فضلاً عن المجتمع، خصوصا في الأوقات العصيبة.
وأشار بارود، إلى أن جميع إمكانات النادي ومقدراته وُضعت في خدمة العائلات النازحة، بهدف توفير ما يلزمها قدر المستطاع، ومساعدتها على تجاوز الظروف القاسية التي تعيشها، في ظل النقص الكبير في مقومات الحياة الأساسية. وأضاف أن معظم الأندية الرياضية في مدينة غزة، باتت تعيش واقعا مشابها، بعدما لجأت إليها العائلات النازحة من مختلف الأماكن، لتتحول هذه المؤسسات إلى مساحات احتضان مجتمعي، في ظل الأعداد الكبيرة من المواطنين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم ومناطق سكنهم.
من المنافسات إلى الخيام ولم تقتصر مظاهر النزوح على مقرات الأندية، بل امتدت إلى الملاعب التي كانت تحتضن المنافسات الرياضية، وفي مقدمتها ملعب فلسطين، الذي أصبح بدوره ملاذا للعائلات النازحة.
وأوضح غسان محيسن رئيس دائرة العلاقات العامة والإعلام في المجلس الأعلى للشباب والرياضة، أن العائلات النازحة افترشت أرضية الملعب المخصصة لمباريات كرة القدم، ونصبت خيامها في مساحاته، بعدما ضاقت بها أماكن الإيواء الأخرى. وأشار إلى أن أرضية الملعب تعرضت للخراب والتلف بفعل الاستخدام المتواصل للإيواء، وما تراكم عليها من مخلفات الطعام والشراب وغيرها، الأمر الذي جعلها غير صالحة للاستخدام الرياضي في وضعها الحالي.
كما احتضنت الغرف المخصصة للحكام والفرق الرياضية، الواقعة أسفل المدرجات، عائلات نازحة قدمت من مختلف أحياء المدينة، لتتحول هذه المرافق من أماكن لخدمة اللاعبين والحكام إلى مساحات للسكن، في ظل غياب البدائل المتاحة أمام العائلات. ويعكس هذا المشهد حجم التحول الذي أصاب المنشآت الرياضية في القطاع، بعدما باتت تؤدي دورا إنسانيا طارئا، على حساب وظيفتها الأساسية، في وقت تواجه فيه البنية التحتية الرياضية تحديات كبيرة، تتعلق بالدمار والتلف وصعوبة استعادة النشاط الرياضي بصورة طبيعية.
ومن بين الوجوه الرياضية التي وجدت نفسها داخل هذه المشاهد، لاعب كرة القدم السابق محمود عاشور، الذي نزح من حي تل الهوى الشجاعية جنوب مدينة غزة برفقة عائلته، ليجد نفسه داخل ملعب ناديه المشتل، المكان الذي ارتبط به لسنوات طويلة من خلال مسيرته كلاعب. لم يتخيل عاشور يوما أن يأتي وقت يصبح فيه الملعب الذي اعتاد على تسديد الكرة فيه، مكانا لإقامته وإيواء عائلته، بعدما كانت علاقته به مرتبطة بالتدريبات والمباريات والمنافسات والأجواء الرياضية.
لكن الظروف القاسية التي عاشها مع عائلته أجبرته على اللجوء إلى المكان الذي يعرفه جيدا، وإن اختلفت هذه المرة طبيعة وجوده فيه؛ فبدلا من تواجده كلاعب ومن ثم إداري، أصبح واحدا من النازحين الذين يبحثون عن الأمان ومكان يأوي أفراد أسرته. وتختزل حكاية عاشور جانبا من التحولات التي فرضتها الحرب على الرياضيين الفلسطينيين، الذين لم يكونوا بمنأى عن تداعياتها الإنسانية، بل وجدوا أنفسهم، شأنهم شأن آلاف العائلات، أمام واقع النزوح وفقدان الاستقرار، بعيدا عن الملاعب التي شكلت جزءا أساسيا من حياتهم.
وتكشف هذه المشاهد عن الدور الذي اضطلعت به الأندية والمؤسسات الرياضية في قطاع غزة، بعدما تجاوزت مهامها التقليدية لتصبح جزءا من جهود إيواء النازحين ومساندة المجتمع، في ظل أزمة إنسانية متفاقمة ونقص حاد في أماكن السكن. لكن هذا الدور الإنساني، على أهميته، يترك في المقابل آثارا كبيرة على المنشآت الرياضية، التي تتعرض أرضياتها ومرافقها للتلف، ما يضيف تحديات جديدة أمام محاولات استعادة النشاط الرياضي وإعادة الحياة إلى الملاعب والأندية.
وبين خيام النازحين وأرضيات الملاعب المتضررة، تبدو الرياضة في غزة أمام مشهد استثنائي، لم تعد فيه المنشآت الرياضية مجرد أماكن لممارسة كرة القدم، بل تحولت إلى شاهد على معاناة السكان، وعلى محاولات المؤسسات المحلية القيام بدورها تجاه مجتمع أنهكته الحرب والنزوح. الملاعب التي كانت تضج بهتافات الجماهير وأصوات اللاعبين، أصبحت الآن تحتضن العائلات الباحثة عن مأوى، بينما تحولت غرف الحكام والفرق الرياضية إلى مساحات للسكن، في صورة تختصر واقعا فرضته الظروف الإنسانية الصعبة على مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة.
A.al-Khalifa--BT