Bahrain Telegraph - تقرير حول مقلوبة بطعم الدم

تقرير حول مقلوبة بطعم الدم
تقرير حول مقلوبة بطعم الدم

تقرير حول مقلوبة بطعم الدم

في فيديو نشرته السفارة الأمريكية في القدس لزيارة السفير "هاكابي" إلى ترمسعيا، لفت الانتباه مشهد المائدة التي أُعدّت له؛ يجلس في بيت فلسطيني وحوله الرجال والنساء، وأمامه طبق مقلوبة فلسطينية، يمد يده، يأخذ لقمة لتذوقها، والجميع ينتظر رد فعله، وطاروا من الفرح عندما جاء رده بالإيجاب.

Tamanho do texto:

في فيديو نشرته السفارة الأمريكية في القدس لزيارة السفير "هاكابي" إلى ترمسعيا، لفت الانتباه مشهد المائدة التي أُعدّت له؛ يجلس في بيت فلسطيني وحوله الرجال والنساء، وأمامه طبق مقلوبة فلسطينية، يمد يده، يأخذ لقمة لتذوقها، والجميع ينتظر رد فعله، وطاروا من الفرح عندما جاء رده بالإيجاب.

مشهد يبدو للوهلة الأولى عاديًا، لكن تخيل لو ابتعدت الكاميرا قليلًا عن ترمسعيا، بحيث يبقى السفير في مكانه، ويبقى الطبق أمامه، لكن خلف المشهد تظهر صورة أخرى؛ طبق مقلوبة على مائدة في حواري غزة، عائلة تجتمع قبل الإفطار بقليل، قبل أن يسقط على رؤوسهم صاروخ أمريكي. في الحقيقة، إنهما ليستا صورتين منفصلتين، بل إنّه المشهد نفسه، ولكن من عدة زوايا.

في اللحظة التي كان فيها "هاكابي" يمد يده إلى طبق المقلوبة، كان السلاح الأمريكي يواصل الإبادة في غزة؛ ذات اليد التي تمتد إلى المقلوبة تمثل الدولة التي تمد الاحتلال بأحدث الأسلحة وأكثرها "ذكاءً" وفتكًا، المقلوبة أمامه على المائدة، والقنبلة كما الهدف خلفه في شوارع غزة.

المفارقة الأكثر إيلامًا أن السفير الأمريكي يتنقل عبر الأراضي الفلسطينية، يدخل بيوت الفلسطينيين دون أي حضور رسمي فلسطيني أو حتى تنسيق سياسي مع قيادتهم "الشرعية"، بساطة الأمر تكمن في أن السفير ودولته لا يعترفون بهذا التمثيل.

هاكابي لا يرى سلطة شرعية تمثل الشعب، ولا يتعامل مع دولة أو مؤسسات سيادية، يزور القرى الفلسطينية كما لو كان في رحلة صيد، أو كمن يتجول في منطقة تحت سيطرته، مستلذًا بـ"مقلوبة" الفلسطينيين، بينما ينكر حقوقهم السياسية والوطنية. هذا الغياب الرسمي لم يكن صدفة، بل هو ترجمة لسياسة أمريكية تتجاهل السلطة، وتتعامل مع الأرض كما لو كانت فضاءً مفتوحًا للمستوطنين، بينما يُحرم أهلها من أبسط حقوق التمثيل والسيادة، يزور قرية فلسطينية، يشاركهم طعامهم، لكنه يرفض الاعتراف بوجودهم، يدخل بيوتهم ويستمتع بالضيافة، لكنه يغلق باب الاعتراف الدبلوماسي والسياسي في وجوههم.

وبينما كان السفير يزور ترمسعيا ومن قبلها الطيبة، كانت حكومته تضع لمساتها الأخيرة على أحد أكبر صفقات الذخائر التي ستقدمها للاحتلال بقيمة 2.8 مليار دولار، ليست الأولى، لكنها الأكبر، 40 ألف قنبلة بوزن طن، منها 20 ألف قنبلة "MK-84" و20 ألف قنبلة "BLU-117"، يضاف لها 20 ألف رأس حربي خارق للتحصينات "I-2000 Penetrator"، لهذا لا يمكن رؤية المقلوبة وحدها، فكلما ظهرت في الصورة، ظهرت معها القنابل؛ لأن هاكابي لم يكن مجرد "ضيف"، بل سفيرًا لدولة تملك ترسانة هائلة وسجلًا لا منتهيًا من القتل وتمويل الإبادة الجماعية.

قد يتفهم البعض استقبال السفير من زاوية العيش اليومي، فربما أراد أهل ترمسعيا إيصال شكواهم لمن ظنوا أنه قد يسمعهم أو يراهم، أو أرادوا استخدام النفوذ الأمريكي والجنسيات الأمريكية لحمايتهم من اعتداءات المستوطنين، أو ربما كان الأمر مجرد كرم ضيافة لا أكثر، لكن المشكلة تكمن في الصورة السياسية التي خرجت للعالم.

فالصورة المرئية كانت تقول: انظروا، ها هو السفير الأمريكي يجلس مع الفلسطينيين ويتناول طعامهم، لكنها كانت تخفي الحقيقة الأكبر، وهي أن هذا هو السفير نفسه يمثل القوة الكبرى التي تقف خلف من يرهبهم ويقتلهم عسكريًا، ويرفض الاعتراف بوجودهم وحقوقهم السياسية، والأمر سيبدو أكثر غرابة حين نتذكر موقف "هاكابي" الذي رفض استخدام مصطلح "الضفة الغربية"، مفضلًا استخدام "يهودا والسامرة"، وأكد مرارًا أنه لا يرى في إقامة الدولة الفلسطينية هدفًا للسياسة الأمريكية، أي إن الخطاب يقول "يهودا والسامرة"، والمقلوبة تقول فلسطين.

أي إنه جاء إلى ترمسعيا، إلى أرض يسكنها الفلسطينيون منذ آلاف السنين، إلى بيت فلسطيني ومائدة فلسطينية، يحمل خطابًا سياسيًا ينكر هذه الهوية تمامًا، لكن المقلوبة كانت تعترف بهذه الهوية رغمًا عن أنفه، فطنجرة المقلوبة لا تحتاج إلى مترجم.

قبل ثلاثة وثلاثين عامًا من الزيارة، كان "البيت الأبيض" يقيم مراسم "أوسلو"، يومها قبل الفلسطينيون بوعد بدولة على الورق على خمس فلسطين التاريخية وعاصمتها "القدس الشرقية"، مقابل التنازل كليًا عن أربعة أخماس وطنهم وحق العودة إليه، وبعد ربع قرن جاء "ترامب" ليعترف بالقدس عاصمة للاحتلال وينقل سفارته لها، واتبع ذلك بحرب الإبادة والتجويع والتهجير في غزة والضفة والقدس والشرق الأوسط عمومًا، كل ذلك كان بالسلاح الأمريكي والدعم السياسي واستخدام الفيتو لعرقلة أي مسار آخر.

وبينما كان السفير يجول الأراضي الفلسطينية ويستمتع بمأكولاتها الشعبية، كانت بلاده ترفض للعام الثاني على التوالي منح الوفد الفلسطيني تأشيرات الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة، فالسفير يستطيع دخول ترمسعيا متجاوزًا كل الأطر الرسمية وبلا أي اعتبار للتمثيل، بينما لا يستطيع عباس دخول نيويورك لمخاطبة العالم، أي إن هاكابي يجلس لمائدة فلسطينية، يخاطب الفلسطينيين مباشرة دون أي شريك رسمي، والرئيس عباس سيخاطب الأمم المتحدة عبر الشاشة.

وبالتالي، هنا تكمن المفارقة الكبرى التي تختصر المشهد كله؛ فالمقلوبة ليست نقيضًا للقنبلة، بل هي ما يجعلها أكثر وضوحًا، فالمقلوبة تقول: هؤلاء هم أهل الأرض الأصليون، والقنبلة تقول: هؤلاء هم ضحايا الحرب التي ندعمها، والسفير، في منتصف الصورة، يمثل القوة التي تجلس على المائدة بيد تنكر تمثيلهم، وأخرى تسلح قاتلهم لإبادتهم وتشريدهم.

T.al-Shamlan--BT