تقرير حول غزة حين يصمت مجلس السلام وتحاكم الضحية
مجلس الأمن الذي أُنشئ لحفظ السلم تحوّل إلى مجلس لإدارة الصمت وتنظيم العجز؛ فهو يجتمع ويناقش ويصدر بيانات القلق، ثم يصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي الذي يحوّل القانون الدولي إلى وجهة نظر قابلة للتأويل السياسي.
مجلس الأمن الذي أُنشئ لحفظ السلم تحوّل إلى مجلس لإدارة الصمت وتنظيم العجز؛ فهو يجتمع ويناقش ويصدر بيانات القلق، ثم يصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي الذي يحوّل القانون الدولي إلى وجهة نظر قابلة للتأويل السياسي.
الصمت هنا ليس حيادًا كما يتوهم البعض، بل هو فعل سياسي مكتمل الأركان في فلسفة القانون؛ فالامتناع عن وقف الجريمة مشاركة فيها، والسكوت عن الإبادة تواطؤ بنصوص القانون الجنائي الدولي التي تتحدث عن المسؤولية بالامتناع عن الفعل الواجب.
ما يجري في غزة اليوم هو انقلاب كامل لمنطق العدالة؛ فالضحية التي فقدت بيتها وطفلها وماءها هي التي توضع في قفص الاتهام، ويُطلب منها أن تبرر وجودها وأن تثبت أنها ليست إرهابًا، بينما الجلاد يقدم نفسه كضحية تدافع عن نفسها أمام عالم فقد بوصلته الأخلاقية.
ومن زاوية أخرى، فإن الخطاب الإعلامي الغربي المهيمن يعيد إنتاج هذه المحاكمة المقلوبة ببراعة لغوية؛ فالمقاومة التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة كحق للشعوب الواقعة تحت الاحتلال تتحول في القاموس الإعلامي إلى جريمة أصلية، والمستشفى الذي يحتمي به الجرحى يصبح مسرحًا للشك الأمني، والطفل الذي يموت جوعًا يتحول إلى رقم في إحصائية مملة لا تهز ضمير المذيع.
إن الفلسفة السياسية لما بعد الاستعمار تشرح هذه الظاهرة بدقة؛ فالمركز الاستعماري لا يرى الهامش إلا كتهديد وجودي يجب احتواؤه، ولذلك فإن كل أدوات القانون الدولي تطبق بمعايير مزدوجة؛ فحق تقرير المصير مقدس في أوكرانيا ومشبوه في فلسطين، وحق الدفاع عن النفس مشروع لتل أبيب ومحظور على غزة.
القانون الدولي الإنساني يقول بوضوح إن الحصار الشامل وتجويع السكان كوسيلة للحرب جريمة حرب مكتملة، لكن هذا النص يبقى حبرًا على ورق حين يكون الضحية فلسطينيًا؛ فالمادة الرابعة والخمسون من البروتوكول الإضافي الأول تحظر تجويع المدنيين، ومع ذلك يمنع الدقيق والدواء وحليب الأطفال على المعابر لأشهر تحت ذريعة التفتيش الأمني.
إن محاكمة الضحية هي أخطر مراحل الصراع؛ لأنها لا تستهدف الجسد فقط، بل تستهدف الرواية والذاكرة والحق في الحزن؛ فعندما يُطلب من الأم الغزية أن تعتذر لأنها أنجبت طفلًا في منطقة حرب، وعندما يُطلب من الطبيب أن يبرر بقاءه في المستشفى، نكون أمام نزع كامل للصفة الإنسانية وتحويل الإنسان إلى عبء أمني يجب التخلص منه.
غزة اليوم لا تختبر قدرتها على الصمود فقط، بل تختبر صدقية كل الشعارات التي رفعتها الحضارة الحديثة عن الكرامة الإنسانية والعدالة الدولية ومسؤولية الحماية، فإذا كان مجلس السلام يصمت حين تجوع مدينة كاملة، فما هي وظيفته؟ وإذا كانت الضحية هي التي تحاكم، فمن هو المجرم؟
الخلاصة التي يدركها كل متابع منصف أن القضية لم تعد قضية مساعدات إنسانية تعبر معبر رفح، بل هي قضية نظام دولي فقد شرعيته الأخلاقية؛ فالذي يصمت عن محو شعب عن الخريطة لا يمكنه أن يدعي أنه حارس للسلام، والذي يحاكم الضحية على صراخها لا يمكنه أن يكون قاضيًا عادلًا.
E.al-Zaid--BT